ابن كثير
255
البداية والنهاية
وقال أحمد : حدثنا ابن نمير قال : قال الأعمش : كنت إذا رأيت مجاهدا ظننت أنه حر مندح ( 1 ) قد ضل حمارة فهو مهتم . وعن ليث عن مجاهد قال : من أكرم نفسه وأعزها أذل دينه ، ومن أذل نفسه أعز دينه . وقال شعبة عن الحكم عن مجاهد قال : قال لي : يا أبا الغازي كم لبث نوح في الأرض قال : قلت ألف سنة إلا خمسين عاما ، قال : فإن الناس لم يزدادوا في أعمارهم وأجسادهم وأخلاقهم إلا نقصا . وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي علية عن ليث عن مجاهد قال : ذهبت العلماء فما بقي إلا المتعلمون ، وما المجتهد فيكم إلا كاللاعب فيمن كان قبلكم . وروى ابن أبي شيبة أيضا عن ابن إدريس ، عن ليث ، عن مجاهد قال : لو لم يصب المسلم من أخيه إلا أن حياء منه يمنعه من المعاصي لكان في ذلك خير . وقال : الفقيه من يخاف الله وإن قل علمه ، والجاهل من عصى الله وإن كثر علمه . وقال : إن العبد إذا أقبل على الله بقلبه أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه في قوله تعالى : ( وثيابك فطهر ) [ المدثر : 4 ] قال : عملك فأصلح . ( واسألوا الله من فضله ) [ النساء : 31 ] قال : ليس من عرض الدنيا ( والذي جاء بالصدق وصدق به ) [ الزمر : 33 ] قال هم الذين يجيئون بالقرآن قد اتبعوه وعملوا بما فيه . وقال : يقول القرآن للعبد إني معك ما اتبعتني ، فإذا لم تعمل بي اتبعتك . ( ولا تنس نصيبك من الدنيا ) [ القصص : 77 ] قال : خذ من دنياك لآخرتك ، وذلك أن تعمل فيها بطاعة الله عز وجل . وقال داود بن المحبر ، عن عباد بن كثير ، عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه مجاهد بن جبير قال : قلت لابن عمر : أي حجاج بيت الله أفضل وأعظم أجرا ؟ قال : من جمع ثلاث خصال ، نية صادقة ، وعقلا وافرا ، ونفقة من حلال ، فذكرت ذلك لابن عباس فقال : صدق فقلت : إذا صدقت نيته وكانت نفقته من حلال فماذا يضره قلة عقله ؟ فقال : يا أبا حجاج ، سألتني عما سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " والذي نفسي بيده ما أطاع العبد الله بشئ أفضل من حسن العقل ، ولا يقبل الله الصوم عبد ولا صلاته ، ولا شيئا مما يكون من عمله من أنواع الخير إن لم يعمل بعقل . ولو أن جاهلا فاق المجتهدين في العبادة ، كان ما يفسد أكثر مما يصلح " . قلت : ذكر العقل في هذا الحديث ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم من المنكرات والموضوعات ، والثلاث الخصال موقوفة على ابن عمر ، من قوله من جمع ثلاث خصال ، إلى قوله : قال ابن عباس صدق ، والباقي لا يصح رفعه ولا وقفه ، وداود بن المحبر كنيته أبو سليمان ، قال الحاكم : حدث ببغداد عن جماعة من الثقات بأحاديث موضوعة ، حدث بها عنه الحارث بن أبي أسامة ، وله كتاب العقل ، وأكثر ما أودع ذلك الكتاب موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر العقل مرفوعا في هذه الرواية لعله من جملتها ، والله أعلم . وقد كذبه أحمد بن حنبل .
--> ( 1 ) في صفة الصفوة 2 / 208 : خربندج : كلمة فارسية لم توردها المعاجم العربية ولفظها ( خربنده ) ومعناها : مؤجر الحمار أو حارس الحمار .